ابن أبي العز الحنفي
50
شرح العقيدة الطحاوية ( ط الأوقاف السعودية )
{ أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } ( 1 ) . وَإِذَا عُرِفَ أَنَّ تَوْحِيدَ الْإِلَهِيَّةِ هُوَ التَّوْحِيدُ الَّذِي أُرْسِلَتْ بِهِ الرُّسُلُ وَأُنْزِلَتْ بِهِ الْكُتُبُ ، كَمَا تَقَدَّمَتْ إِلَيْهِ الْإِشَارَةُ - فَلَا يُلْتَفَتُ إِلَى قَوْلِ مَنْ قَسَّمَ التَّوْحِيدَ إِلَى ثَلَاثَةِ أَنْوَاعٍ ، وَجَعَلَ هَذَا النَّوْعَ تَوْحِيدَ الْعَامَّةِ ، وَالنَّوْعَ الثَّانِيَ تَوْحِيدَ الْخَاصَّةِ ، وَهُوَ الَّذِي يَثْبُتُ بِالْحَقَائِقِ ، وَالنَّوْعَ الثَّالِثَ تَوْحِيدًا قَائِمًا بِالْقِدَمِ ، وَهُوَ تَوْحِيدُ خَاصَّةِ الْخَاصَّةِ ! فَإِنَّ أَكْمَلَ النَّاسِ تَوْحِيدًا الْأَنْبِيَاءُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ ، وَالْمُرْسَلُونَ مِنْهُمْ أَكْمَلُ فِي ذَلِكَ ، وَأُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ أَكْمَلُهُمْ تَوْحِيدًا ، وَهُمْ : نُوحٌ ، وَإِبْرَاهِيمُ ، وَمُوسَى ، وَعِيسَى ، وَمُحَمَّدٌ ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ . وَأَكْمَلُهُمْ تَوْحِيدًا الْخَلِيلَانِ : مُحَمَّدٌ وَإِبْرَاهِيمُ ، صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمَا وَسَلَامُهُ ، فَإِنَّهُمَا قَامَا مِنَ التَّوْحِيدِ بِمَا لَمْ يَقُمْ بِهِ غَيْرُهُمَا عِلْمًا ، وَمَعْرِفَةً ، وَحَالًا ، وَدَعْوَةً لِلْخَلْقِ وَجِهَادًا ، فَلَا تَوْحِيدَ أَكْمَلُ مِنَ الَّذِي قَامَتْ بِهِ الرُّسُلُ ، وَدَعَوْا إِلَيْهِ ، وَجَاهَدُوا الْأُمَمَ عَلَيْهِ . وَلِهَذَا أَمَرَ سُبْحَانَهُ نَبِيَّهُ أَنْ يَقْتَدِيَ بِهِمْ فِيهِ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى بَعْدَ ذِكْرِ مُنَاظَرَةِ إِبْرَاهِيمَ قَوْمَهُ فِي بُطْلَانِ الشِّرْكِ ، وَصِحَّةِ التَّوْحِيدِ وَذِكْرِ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ : { أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ } ( 2 ) ، فَلَا أَكْمَلَ مِنْ تَوْحِيدِ مَنْ أُمِرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَقْتَدِيَ بِهِمْ ، وَكَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُعَلِّمُ أَصْحَابَهُ إِذَا أَصْبَحُوا أَنْ يَقُولُوا : « أَصْبَحْنَا عَلَى فِطْرَةِ الْإِسْلَامِ ، وَكَلِمَةِ الْإِخْلَاصِ ، وَدِينِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ، وَمِلَّةِ أَبِينَا إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ » . فَمِلَّةُ إِبْرَاهِيمَ : التَّوْحِيدُ ، وَدِينُ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ قَوْلًا وَعَمَلًا وَاعْتِقَادًا . وَكَلِمَةُ الْإِخْلَاصِ : هِيَ شَهَادَةُ
--> ( 1 ) سورة الْعَنْكَبُوتِ آية : 51 . ( 2 ) سورة الْأَنْعَامِ آية : 90 .